الفجوة الرقمية: قراءة في الأسباب التكنولوجية
د. عباس حمزة حمادي
أستاذ الدراسات العليا في الجامعة اللبنانية
Friday, 10-Apr-2026 04:16

إنَّ ما يحملنا على الأخذ بموضوع الفجوة الرقمية (Digital Gap) تكراراً وطرحه عنواناً أصيلاً ولازماً بين الحين والآخر، إنما يكمن الأمر برمّته في حقيقة أنّ تلك الفجوة في اتساع مستمر من غير توقف ولا انقطاع، وهي حقيقة باتت من المسلّمات التي لا تُلزمنا إضاعة الوقت في التماس الأدلة والبراهين عليها. من هنا، يجدر بنا الوقوف على أسبابها التكنولوجية خصوصاً، لكن بعين فاحصة مدققة ذات مردود ومؤونة وافرَين. وهكذا، نُطل على أكثرها (الأسباب) تأثيراً وأشدّها بروزاً، وإن كنّا لا نغفل رجحان أسباب أخرى؛ إلّا أنّ المقام لا يمكن أن يحتضن كل الأسباب وإنزالها منزلة حسنة طيبة وإدراجها على نحو مُفصّل وجلي.

بادئ بدءٍ، نجد أنّ السبب الأول يكمن في سرعة التطوّر التكنولوجي الذي وضع الدول النامية بشكل مخصوص في موقف حرج ومقلق في آنٍ، ذلك أنّه ليس في مُكنتها مجاراة تلك السرعة بسبب انعدام الرؤية الشاملة وقلّة الموارد المرصودة والمحسوبية والتوظيف العشوائي، وزد على ذلك ما شاءت لك الزيادة.

وعليه، لا جدال في أنّ "العجلة" التكنولوجية تسير بمعدّلات شديدة السرعة وقفزات واسعة الخطو وذلك وفق مسارات ثلاثة؛ أمّا الأول فيتعلّق بالعتاد التكنولوجي (Technological Hardware)، الذي يُراد به المكوّنات المادية الملموسة والقطع الإلكترونية المتطوّرة، كالمعالجات المركزية والرسومية ووحدات التخزين والذاكرة وغيرها. وتحسن الإشارة ههنا إلى قانون مور (Moore’s Law) الذي ينصّ على أنّ سرعة قيام الرقائق الإلكترونية بالعمليات الحسابية تتضاعف كل 18 شهراً (نرى أنّ هذه المدة الزمنية التي حدّدها مور في منتصف القرن الماضي، حان اليوم موعد تقليصها إلى أقصى حدّ ممكن، ذلك أنّ مقاييس الخريطة التكنولوجية قد اتخذت أبعاداً جديدة كل الجدَّة).

واعلم، أنّ المسار الثاني مخصوص بشبكة الاتصالات (Communications Network) وهي تلك المنظومة المتكاملة من التقنيات والأجهزة والمعدّات الرقمية التي يُستعان بها لإنشاء ومعالجة البيانات وتخزينها ومن ثم نقلها عبر أنظمة الاتصال الحديثة كـWi-Fi و4G و5G وغيرها. واعلم ثانية، أنّ البرمجيات (Software) تحتل المسار الثالث بوصفها جملة من خوارزميات الكمبيوتر والمعبَّر عنها على نحو غالب، بالتعليمات البرمجية التي تعتمد على الأكواد (Codes) بدرجة عالية.

وأمّا السبب الثاني، فمرجعه تنامي الاحتكار التكنولوجي المرتبط بخيط سميك بالمسارات الثلاثة التي أشرنا إليها للتَّو. وهذا (الاحتكار) كائن بالفعل من جانب قلّة قليلة من الشركات العملاقة التي تكاد تُعدّ على أصابع اليد الواحدة؛ إذ تتحكّم بشكل شبه مطلق بإنتاج عتاد الكمبيوتر والبرمجيات اللازمة لذلك، بالإضافة إلى ابتكار نظم اتصالات تتطوّر بشكل مذهل بفضل النقلة الرقمية النوعية في المقام الأول؛ من حيث معدات الاستقبال والإرسال التي أصبحت تعتمد على الألياف الضوئية والأقمار الصناعية، ما يشير إلى سرعة تطوّر الاتصالات وزيادة سعة تبادل البيانات عبر الشبكات العنكبوتية.

أما بعدُ، فإنّ تعاظم التداخل التكنو-معرفي، بات يُنظر إليه سبباً ثالثاً من أسباب الفجوة الرقمية. وهذا يرجع في كل الأحوال إلى الطبيعة الفريدة لتكنولوجيا المعلومات، واعتبارها قاسماً مشتركاً بين التطوّر التكنولوجي والميادين العلمية المختلفة. وهذا ما استولد من رحم التكنولوجيا جملة من التكنولوجيات الجديدة؛ من قبيل التكنولوجيا الحيوية والتكنولوجيا العصبية وتكنولوجيا الروبوت المعرفي وغيرها.

وبالنتيجة، لا يخفى أنّ السببَين الأخيرَين (الثاني والثالث) قد أَفْضَيَا بالضرورة إلى ولادة سبب رابع، فَاقَم من مشكلة الدول النامية إزاء التطوّر التكنولوجي، وهو ظهور ما يعرف بالانغلاق التكنولوجي. ولا حاجة ههنا، لقدر كبير من رشاقة الذكاء وجودة الفطنة لمعرفة أنّ ذلك الانغلاق، موقوفٌ على إحاطة أسرار الصنعة التكنولوجية بأسيجة ذات جوانب شاهقة وحلقات محكمة التشابك؛ بغية دفن مفاتيح أقفالها (الأسرار) في أماكن قصية بعيداً من أعين الرقباء وحماية المنتجات المتطوّرة من أي اختراق تكنولوجي محتمل. ولهذا، نجد الشركات الكبرى ذات الصلة بالواقع التكنولوجي، تعمد إلى التضليل والمراوغة لإخفاء البرمجيات الذكية عبر دمجها في صلب العتاد عينه، فيصعب إماطة اللثام عنها من جانب مهندسي البرامج ومطوّريها أحياناً كثيرة. وما بالك ساعتئذٍ بالمستخدم العادي!

الأكثر قراءة